السيد علي عاشور
97
موسوعة أهل البيت ( ع )
حدّثنا أبو محمّد القاسم بن العلي عن عبد العزيز بن مسلم قال : كنا في أيّام عليّ بن موسى الرّضا بمرو فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم جمعة في يدي مقدمنا فأدار النّاس أمر الإمامة ، وذكروا كثرة اختلاف النّاس فدخلت على سيّدي ومولاي الرّضا فأعلمته ما خاض النّاس فيه فتبسّم ثمّ قال : يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم ، إنّ الله عزّ وجلّ لم يقبض نبيّه حتّى أكمل له الدّين ، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء بيّن فيه الحلال والحرام ، والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج النّاس إليه كملا فقال عزّ وجلّ : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 1 » وأنزل فيه في حجّة الوداع وهي آخر عمره الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً « 2 » . وأمر الإمامة من تمام الدّين ولم يمض حتّى بين لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيله ، وتركهم على قصد الحقّ وأقام لهم عليّا علما ، وما ترك شيئا تحتاج إليه الأمّة إلّا بيّنه ، فمن زعم أنّ الله عزّ وجلّ لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب الله ، ومن ردّ كتاب الله فهو كافر ، فهل تعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم ؟ إنّ الإمامة أجلّ قدرا وأعظم شأنا وأعلى مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها النّاس بعقولهم ، أو ينالوها برأيهم أو يقيموا إماما باختيارهم . إنّ الإمامة خصّ الله بها إبراهيم الخليل بعد النّبوة والخلّة مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه الله بها فأشار بها عزّ ذكره فقال عزّ وجلّ : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً « 3 » . قال الخليل سرورا بها ومن ذرّيتي قال الله تبارك وتعالى : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة . ثمّ أكرمه الله أن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال عزّ وجلّ : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ * وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ « 4 » . فلم يزل في ذريته يرثها بعض عن بعض ، قرنا فقرنا حتّى ورثها النّبىّ فقال جلّ جلاله : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ « 5 » . فكانت له خاصّة فقلّدها النّبي عليّا بأمر ربّه عزّ وجلّ على رسم ما فرض الله ، فصارت في ذرّيته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عزّ وجلّ : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ « 6 » .
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 38 . ( 2 ) سورة المائدة : 3 . ( 3 ) سورة البقرة : 124 . ( 4 ) سورة الأنعام : 84 . ( 5 ) سورة آل عمران : 68 . ( 6 ) سورة الروم : 56 .